السيد كمال الحيدري

111

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

في الجواب على ذلك نقول : إنّ قوانين الدين لا يمكن فرضها على الفطرة الإنسانية فرضاً وإنّما لابدّ أن تكون منسجمة مع فطرة الإنسان ، فلو جاء القانون على خلاف فطرة الإنسان ، فلا يمكن لهذا القانون أن يصلح الفطرة ؛ ولذا عبّر القرآن الكريم بأنّ الدين فطرىّ ، قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) « 1 » . فالدين إنّما جاء لحلّ الخلاف والنزاع الذي دفعت إليه الفطرة ، فلابدّ أن يكون الحلّ بأمر فطرىّ أيضاً . بعبارة أخرى : إنّ قوانين الدين التي يتوصّل الإنسان من خلالها إلى الغاية والهدف الذي خُلق من أجله ؛ هذه القوانين التي تأخذ بيد الإنسان إلى مقصده الواقعي لابدّ أن تكون منسجمة ومتلائمة مع الفطرة وإلّا فلا تستجيب الفطرة لها . وقد تقدّم أنّ الفطرة التي فُطر الإنسان عليها ، هي فطرة التوحيد ، فلابدّ أن تكون كلّ أحكام الدين تدور حول التوحيد . وهو الأصل في كلّ المعارف ، فيجب أن يكون التوحيد مرجعاً في كلّ شئ ومنطلقاً لجميع النظم والرؤى ، بحيث يلقى بظلاله على كلّ مرافق الحياة من تشريعات وآداب . ويمثّل التوحيد موقع الينبوع الذي تنتهل منه الأحكام والتشريعات ، فالتوحيد صبغة الحياة ) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) « 2 » وهو أمّ المسائل ومحور جميع الحقائق الدينية والأصول الأخلاقية في الإسلام .

--> ( 1 ) الروم : 30 . ( 2 ) البقرة : 138 .